الشيخ عبد الغني النابلسي

245

جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص

وليس كذلك ، فإنّ الرّضا بالقضاء لا تقدح فيه الشّكوى إلى اللّه ولا إلى غيره ، وإنّما تقدح في الرّضا بالمقضيّ ونحن ما خوطبنا بالرّضا بالمقضيّ . والضّرّ هو المقتضيّ ما هو عين القضاء . فرجوع العبد إذا أصابه الضر أودعته حاجة إلى الواحد العين المزيل عنه بالسبب ذلك الألم الذي هو فيه أولى ، أي أحق وأسهل من الرجوع عند ضرورته إلى سبب خاص يتعلق به من دعاء ونحوه ربما لا يوافق ذلك السبب الخاص علم اللّه تعالى فيه ، أي في الألم بزوال أو بقاء فيقول ذلك العبد حينئذ إن اللّه تعالى لم يستجب لي دعائي وهو ، أي ذلك العبد ما دعاه في نفس الأمر ، أي ما دعا اللّه تعالى فيستجيب له . وإنما جنح ، أي مال في دعائه اللّه تعالى إلى سبب خاص عينه في نفسه وهو صورة المدعو التي تخيلها الداعي ، أي داع كان فإنه لا بد من الصورة في كل داع وكل عابد ، كما ورد أن اللّه في قبلة المصلي « 1 » . وذلك لا يضر في الإيمان باللّه تعالى إذا لم يقتض الحصر في صورة من ذلك إذ هو من صورة الخيال ، فإذا استسلم العارف إلى اللّه تعالى بالتفويض إليه لم يقف عند الصورة الخيالية لانحلالها بعدم القصد إليها ، فإن الدعاء فعل والتفويض ترك الفعل لم يقتضه ، أي ذلك السبب الخاص الزمان ولا الوقت لتحصل الإجابة به وقد يقتضيه الزمان فيستجاب له بذلك السبب فعمل أيوب عليه السلام بحكمة اللّه تعالى التي أوتيها كما قال سبحانه : يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ ( 269 ) [ البقرة : 369 ] إذ ، أي لأنه يعني أيوب عليه السلام كان نبيا من أنبياء اللّه تعالى المعصومين القائمين بالحكمة والنبوّة . لما تعليل للقول بأنه عليه السلام عمل بالحكمة علم بالبناء للمفعول أن الصبر على البلوى هو حبس ، أي إمساك النفس عن الشكوى إلى أحد عند الطائفة الصوفية وليس ذلك المذكور بحد ، أي تعريف صحيح للصبر عندنا معشر العارفين المحققين وإنما حدّه ، أي الصبر عندنا حبس ، أي إمساك النفس الإنسانية عن الشكوى لغير اللّه تعالى من البلوى لا حبس النفس عن الشكوى إلى اللّه تعالى فحجب الطائفة الصوفية القائلين بما ذكر نظرهم ، أي قياسهم في أنّ الشاكي يقدح ، أي يطعن بالشكوى ولو إلى اللّه تعالى في الرضى

--> ( 1 ) هذا الحديث سبق تخريجه .